الشنقيطي
285
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بلفظ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ [ البقرة : 233 ] لا ينافي الوجوب كما اعترفتم بنظيره في قوله تعالى : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [ البقرة : 158 ] ؛ لأن السعي فرض عند الجمهور وعن قوله في الحديث : « صدقة تصدّق اللّه بها عليكم » بأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أمر بقبولها في قوله : « فاقبلوا صدقته » « 1 » والأمر يقتضي الوجوب فليس لنا عدم قبولها مع قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « فاقبلوها » ، وأجابوا عن الثالث والرابع بأن حديثي عائشة المذكورين لا يصح واحد منهما ، واستدلوا على عدم صحة ذلك بما ثبت في الصحيح عن عروة أنها تأولت في إتمامها ما تأول عثمان « 2 » ، فلو كان عندها في ذلك رواية من النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يقل عنها عروة أنها تأولت . وقال العلامة ابن القيم - رحمه اللّه - في زاد المعاد ما نصه : وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول : هذا الحديث كذب على عائشة ، ولم تكن عائشة لتصلي بخلاف صلاة النبي صلّى اللّه عليه وسلم وسائر الصحابة ، وهي تشاهدهم يقصرون ثم تتم هي وحدها بلا موجب ، كيف وهي القائلة : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر ، وأقرت صلاة السفر فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض اللّه وتخالف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه . وقال الزهري لهشام بن عروة لما حدثه عن أبيه عنها بذلك ، فما شأنها كانت تتم الصلاة فقال : تأولت كما تأول عثمان فإذا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد حسن فعلها وأقرها عليه ، فما للتأويل حينئذ وجه ، ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير ، وقد أخبر ابن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن يزيد في السفر على ركعتين ولا أبو بكر ولا عمر « 3 » ، أفيظن بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم وهي تراهم يقصرون . وأما بعد موته صلّى اللّه عليه وسلم ، فإنها أتمت كما أتمّ عثمان ، وكلاهما تأول تأويلا . والحجة في روايتهم لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له واللّه أعلم . ا ه . محل الغرض منه بلفظه . قال مقيده - عفا اللّه عنه - : أما استبعاد مخالفة عائشة - رضي اللّه عنها - للنبي صلّى اللّه عليه وسلم في حياته مع الاعتراف بمخالفتها له صلّى اللّه عليه وسلم بعد وفاته ، فإنه يوهم أن مخالفته بعد وفاته سائغة ولا شك أن المنع من مخالفته في حياته باق بعد وفاته صلّى اللّه عليه وسلم ، فلا يحل لأحد البتة مخالفة ما جاء به من الهدى إلى يوم القيامة : فعلا كان أو قولا أو تقريرا ، ولا يظهر كل الظهور أن عائشة تخالف هدى الرسول صلّى اللّه عليه وسلم باجتهاد ورواية من روى أنها تأولت تقتضي نفي روايتها عن
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) أخرجه عن عائشة : البخاري في أبواب تقصير الصلاة حديث 1090 ، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها حديث 3 . ( 3 ) أخرجه عن ابن عمر : البخاري في أبواب تقصير الصلاة ، حديث 1102 ، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها ، حديث 8 .